عن الخذلان والعروبة والمقاومة

قد نرى في غزّة من يسبّون العروبة والعرب، ويعبرون عن إحساسهم بالخذلان، وقد يصل الأمر بهم لشتم المقا.و.مة نفسها؛ لأن المرء لا يحتمل الجوع؛ فكيف إذا اجتمع عليه الموت والتشريد وفقدان المأوى والأهل والذكريات.
حسنًا، ليس على أهل غزّة تحديدا عتب، فلهم في هذا الظرف الذي تزول منه الجبال أن يقولوا ما شاؤوا، ويفعلوا ما أرادوا، وليس لأحد أن يزاود عليهم مثقال ذرّة.

لكن الكلام موجّه لك يا من تتنصل من أصلك؛ فتبدأ بشتم عروبتك وقومك (حتى وإن كنت مقاطعا لبضاعة العدو، متظاهرا أمام سفاراته يوميا، لم تبخل بمالك أو جهدك في سبيل دعم قضيتك، ولو كنت تحت تأثير الغضب وقلّة الحيلة والكمد)، كل هذا لن يشفع لك.

إنّ ابن غزّة المكلوم الجريح الفاقد لماله وولده وأهله وذكرياته، حتّى وهو يسّب عروبته؛ فلأنّه في وجدانه يعوّل عليها ويأمل منها العون والنّصر وهو قابع حرفيّا في بيت نار وأتون مشتعل؛ فلا حجّة لك أنت الذي لا تعاني من ظرفه أن تحذو هذا المسلك، بل أن تعمل على تقويم سلوكك وتتمثّل عروبتك الحقيقيّة، التي شتمها أخوك من قهره وفرط تعبه لأنه يأمل منها شيئا.

وبعد؛ العروبة ليست عرقيّة، هي لسان وثقافة (سمت)، واجتماع على غاية؛ قوامها المروءة والوئام، وفوق كل هذا، موقف ومصير مشترك. بهذا التعريف، “بوليفيا” – مثلا- موقفها عروبي أمام دول التطبيع الناطقة بلساننا، المنحازة بموقفها لعدوّنا، بل هي خارجة من “التعريف السياسي” للإسلام والإيمان، لأن المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من آمن قومه فدافع عنهم، فهؤلاء ليسوا عربا بموقفهم، ولا مسلمين إذ جعلوا ذرب لسانهم على أهلهم، ولا مؤمنين إذ أطلقوا أيديهم مع عدوّنا.

ربّما لهذا السّبب أقول دوما، أن المقا.و.مة هي العقد الاجتماعي للعرب، يقاتل فيها اليمانيّ والفلسطيني واللبناني والعراقي والسوري كتفا بكتف، ليحققوا غاية الاجتماع على موقف واحد، ووحدة العرب بشكل ملموس وعمليّ، فيكونون من هذا الوجه عربا خلّصا في لسانهم وسمتهم، ومصيرهم المشترك، ومن كان لهم عونا ونصيرا دخل الإجماع السياسي هذا، إذ سالمهم ولم يؤذِهم، وآمنهم بأن دفع ضريبة موقفه معهم، ولم يبخل عليهم بمال ولا سلاح ولا جهد ولا دم حتّى، ولكم في إيران أسوة حسنة.

إن أخوة الدم والسلاح هذه هي الأمر الوحيد الذي أنجز وحدة على المستوى الشعبيّ، وبصقت في وجه الطائفية ومن والاها؛ من عاداها ليس من العرب ولا العروبة في شيء.
اعمل بمقتضى عروبتك ولا تتنصل منها، لتكون مع هذه الفئة المصطفاة، وتحقق أمل أخيك الذي ينزف دمه لقضية هي قضيتك أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top